السيد حيدر الآملي

286

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ [ سورة الحجر : 29 ] . والمراد بالتسوية إفاضة تمام إعداد البدن وتهيئته لقبول النقش ، والمراد بالنفخ هاهنا هو إفاضة النفس عليه عند كمال ذلك الاستعداد ، واستعمال النفخ هاهنا استعارة حسنة فإنّ النفخ له صورة وهو إخراج الهواء من فم النافخ إلى المنفوخ فيه ليشتعل فيه النار . ولمّا كانت حقيقة النفخ ممتنعة في حقّ اللَّه تعالى وجب العدول إلى حمل لفظه على ما يشبهه ، ولمّا كان اشتعال نور النفس في فتيلة البدن عن الجود الإلهيّ المعطي لكلّ قابل ما يستحقّه بحسب محاكاة خيالنا الضعيف ما نشاهد من اشتعال النار في المحل القابل لها عن صورة النفخ ، لا جرم حسن التعبير والتجوّز بلفظ النفخ عن إفاضة الجود الإلهيّ للنفس على البدن لما كان لمشابهته المتخيّلة وإن كان الأمر أجلّ ممّا عندنا وأعلى . وأمّا نسبة الرّوح إلى اللَّه . ( في المراد من الرّوح في الآية : نفخت ) فاعلم أنّ الروح يحتمل أن يراد به أحد ثلاثة معان : الأوّل جبرئيل عليه السّلام وهو روح اللَّه الأمين ، ونسبته إليه ظاهرة ، وأمّا نسبته النفخ إلى اللَّه حينئذ فلكونه العلَّة الأولى ، وجبرئيل واسطة جعله اللَّه تعالى مبدأ في هذا اللفظ لنفخ النفس في صورة آدم منه . الثّاني ، جود اللَّه ونعمته وفيضه الصّادر على آدم وغيره وإنّما كان ذلك روحا لأنّه مبدأ كلّ حياة فهو الروح الكلَّيّة الَّتي بها قوام كلّ وجود ، ونسبته إليه ظاهرة ، وتكون من هاهنا للتبعيض . الثالث ، أن يراد بالروح النّفس الإنسانيّة وتكون من زايدة ، وإنّما نسب إليه دون ساير مصنوعاته اللطيفة لما علمت انّ الروح منزّه عن الجهة والمكان وفي قوّته العلم بجميع الأشياء والاطلاع عليها ، وهذه مضاهاة ومناسبة بوجه مّا مع العلَّة الَّتي ليست حاصلة لما عدا هذا الجوهر ممّا هو جسم أو جسمانيّ ، فلذلك شرّفها بالإضافة إليه .